Tuesday, March 20, 2007

الرزق

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
لطالما سمعت من الناس أن الرزق قدر مكتوب ومهما كان سعي الإنسان وسيره دائبا أو راكدا أو بينهما فإنه لا ولن ينال أكثر ولا أقل مما
كتب له، وهذا القول إنما جعل الكثيرين يركنون إليه فلا يجتهدون في طلب الرزق عملا ولا دعاءا من رب العالمين.أما الله سبحانه وتعالى فقد بين في قرءانه العظيم كل ما يتعلق بالرزق من مفاهيم، وفي هذا المقال سنحاول معا أن التعرف إلى ذلك.ا
أولا: وحدة السماوات والأرض
لننظر معا في هذه الآية:ا
(21:30)اولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون
يقول ربنا سبحانه أن السماوات والأرض كانتا شيئا واحدا في الأصل ولك أن تتخيل ذلك كالزيت والماء في إناء واحد فيكونان معا في الحيز الواحد مع احتفاظ كل منهما بخصائصه وصفاته كما أن لك أن تتخيل في أمثلة أخرى. ثم أن الله تعالى فتق السماوات والأرض عن بعضيهما.ا
ثانيا: معني الأرض
ليست الأرض عندي الكرة الأرضية، بل كل ما يطئه الإنسان يمكن أن يقال عنه أرض، ولما أنعم الله علينا بعلم العمارة، نشأت لنا فكرة البناء الرأسي الذي هو طوابق فوق بعضها، فإذا كنت في الطابق الرابع مثلا، وسألك أحدهم : علام تقف، تقول بلا تردد: علي الأرض، بينما أنت واقف (فوق) سطح (الذي هو سقف) جارك الأدنى. وفي قرءان ربنا
(67:3)الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفوت فارجع البصر هل ترى من فطور
هذا القرءان يقول أن السماوات طبقات فوق بعضها البعض، بل وحدد أنها سبع طبقات، ونفهم من هذا أن موقعك أنت يحدد ما إذا كنت تقول سماءا أم أرضا، فإن كنا في السماء الثانية فهى أرض بالنسبة لنا وسماء لمن تحتنا وتدبر قول الله.ا
(21:32)وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن ءاياتها معرضون
فكل سماء سقف لما تحتها من سماء أخرى تماما كبناء مكون من طبقات كما أسلفنا. وفي الحقيقة فإجابتك أنك تقف على الأرض قاصرة بعلمك، والإنصاف أن تقول أنا في الأرض، ذلك لأنك أنت والمبنى وطوابقه وكل شيئ في الأرض وليس عليها، إذ أنها دائرية أو كالبيضة وسواء كنت على سطح كوكب الأرض أو حفرت نفقا فكنت فيه أو كنت في البحر أو فوقه فأنت في كوكب الأرض على كل حال تكون. وسنفرد لهذه المعاني مقالا آخر إن شاء الله.ا
والذين فسروا كلمة الأرض الواردة في القرءان بأنها الكرة الأرضية إلتبس عليهم أن كوكبنا إسمه الأرض، غير أن هذا الإسم كان يطلق في الماضي (ولا زال) على اليابسة بأنها الأرض، وفي لغتنا يشمل معني الأرض اليابسة والكوكب معا وهذا قصور.ا
Land أما في الإنكليزية مثلا فهناك للدلالة على اليابسة
Earth وللدلالة على كوكب الأرض
ولست أدري لماذا لم يسموا كوكبنا كوكب البحر أو كوكب الماء مع العلم أن البحار والماء أكبر مساحة من اليابسة. ولو أنصفنا كل الإنصاف بلغة العلم لأسميناه الكوكب الثالث من الشمس، وهذه دعوة للعلماء (العرب) لاستنباط إسم لهذا الكوكب الجميل.ا وإن أنكر علينا أحد إستدلالنا بلغة أخرى (لسان آخر) لنفهم معنى كلمة الأرض فليقرأ قول الله
(30:22)ومن ءايته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعلمين
وليتدبر أن الله قرن بين خلق السماوات والأرض واختلاف اللسان بين الناس واعتبرها أيات للعالمين.ا
ثالثا: السماوات تحيط بالأرض
يرى الناظر إلى السماء أنها تحيط بالأرض من كل جهة ، أما العلم فيؤكد ذلك، ومن العلم أن الأرض (والكواكب) كلها دائرية الشكل (بيضاوية) وكذلك النجوم، أما السماء فأظنها كذلك أيضا، ومن العلم أن الأرض في السماء أي داخل السماء، واسمع إلى قوله تعالي
(37:6)انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب
(41:12)فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم
(67:5)ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلنها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير
فإذا علمنا أن الكواكب والنجوم زينة للسماء الدنيا، وأن هذه السماء يمكن رؤيتها من أي مكان في الأرض التي هي بيضاوية تأكد لنا أن السماء الدنيا – على الأقل – بيضاوية أو دائرية وتأكد لدينا أنها تحيط بكوكب الأرض وغيره.ا
الرزق:ا
وكما حدث من إلتباس في مفهوم الأرض، كذلك حدث التباس في مفهوم الرزق، فمعظم الناس يظنون أن الرزق هو المال، نعم المال رزق، بيد أن اللبس حادث بسبب أن الأرزاق يمكن مبادلتها بين بعضها البعض، وبدأ الناس ذلك في القديم بالمقايضة، إلى أن تطور فكرهم فاخترعوا الذهب والفضة مالا واخترعوا النقود مالا وسيطا لهذه المقايضة أو المبادلة، ولكن أما فكروا بالأرزاق الأخرى،. وعندي أن كل شيئ مهما نظرت إليه فهو رزق، المال والبنون والطعام والماء والهواء والصحة والسمع والبصر والفؤاد والعلم والطاقة الكهربية، البترول!!!. وأغرب من هذا فمرضك رزق لغيرك حتى جسدك يصير رزقا في نهاية حياتك الدنيا. ولا تظنوا بي المادية ففي السطر السابق قلنا أنا العلم رزق ونقول هنا والهدي والإيمان والعطف والحب. وكل نعمة نعلمها أو لا نعلمها هي رزق، والله القائل
(14:34)وءاتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسن لظلوم كفار
وفي القرءان تأكيد على أنواع الرزق التي ليست بمعنى المال، يقول ربنا
فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب
وكذلك بعثنهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (18:19)ا
وفي قول الله هذا، أن الأرزاق طعام بالأساس أو ما يشبه فائدتها للناس، فهاهي مريم، يهبها الله مباشرة، وها هم فتية الكهف يتابعون طريقة الناس في شراء الرزق (الطعام) بالرزق، فانظروا معي إلي قوله
(38:49)هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مئاب
(38:50)جنت عدن مفتحة لهم الأبوب
(38:51)متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب
(38:52)وعندهم قاصرات الطرف أتراب
(38:53)هذا ما توعدون ليوم الحساب
(38:54)ان هذا لرزقنا ما له من نفاد
وهنا ينبهنا ربنا إلى معنى الرزق، فهو في الحقيقة أرزاق كثيرة لن نستطيع أن نحصيها
نسبية الرزق:ا
يقول الناس غني وفقير ومرزوق ومحروم وغير ذلك من المعاني التي نعرفها جميعا، وفسروا عن القرءان بأن الله فضل الناس في الرزق منعا وعطاءا، ولكن الله يقول
(67:15)هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور
كما يقول الله
(89:15)فأما الإنسن إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن
(89:16)وأما إذا ما ابتليه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهنن
في هذا القول ينفي الله تكريمه للإنسان عن غيره بالرزق بل قد يكون إبتلاءا، في أن يقول الإنسان غرورا أنه أحسن من غيره بدليل سعة رزقه، وكذلك ينفي الله إهانته عن الإنسان بالرزق دون غيره بل الإنسان هو الذي يلقي باللوم جزافا. مما ينبهنا أن الرزق مسألة نسبية ونحن الذين نقيس بالهوى
ملكية الرزق أو المساواة في الرزق:ا
إذا فهمنا معنى الأرض كما يجب أن يكون، وفهمنا أن الأرض في السماء وداخلها، بل وفهمنا أن السماء والأرض شيئ واحد،فلنا أن نتدبر قول الله
(67:15)هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور
الم تروا أن الله سخر لكم ما في السموت وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتب منير(31:20)ا
(34:24)قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلل مبين
هذا القول يدلنا على أن الله تعالى هو المالك المطلق للأرزاق والمقدر لها، وهو قول لا ينكره إلا معاند، والقول الكريم بأن كل شيئ مسخر لنا، في السماوات والأرض، عطاءا ورزقا ونعمة، يدلنا على أن الناس متساوون في الرزق على الحد الأكمل والأعدل، فما من مكان في السماوات والأرض يمنع أو يُمنع عنا ما فيه، وإنما علينا أن نمد أيدينا ونأخذ، ومد اليد هذا هو العمل والسعي أو قل العلم والعمل وهذه ما يتفاوت فيها الناس. وهذا التفاوت هو الذي ينتج الغني والفقير.ومن يذهب إلي أي كوكب من الكواكب ويزرع فسوف يحصد ، مع الأخذ بتهيئة البيئة لذلك، تماما كما لو أردنا استصلاح الصحراء. ومن يذهب إلى أي كوكب وينقب فيه ويخرقه سيخرج له الكوكب ما في باطنه من المعادن. وإن التمسنا من الشمس رزقا لوجدناه، وهل الطاقة الكهربية رزق؟، نعم طالما أفادتنا ويسرت حياتنا. وتلخيصا لكل ذلك نقول أن الكون كله ينفعل لحركتنا.ا
(17:19)ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا
(17:20)كُلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا
فلا يحظر عطاء الله إلا من ظلم نفسه بالتبطل ، فلم يسع ولم يتحرك ولم يسر في الأرض.ا
وقول الله تعالى
(17:21)انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا
أما التفضيل الوارد في الآية أعلاه فناتج من سنة الله في الخلق بما استودع من المورثات (الجينات أو الكروموسمات) والتي من بينها قوة الجسم والعقل، وعلينا أن نختار بعناية زراعة نسلنا بالتزاوج المبني على العلم، كما نزرع الطعام بالعلم. وهذا التفضيل لم يرد ذكره فيما بين البقر أو في النحل مثلا حيث أنها أمم متماثلة ليس في مورثاتها ما يتجاوز أجسامها ونرى النحل والنمل وغيرها تعمل ليل نهار بلا كلل أو ملل في الأخذ من الرزق. ودليلنا على أن التفضيل في الرزق قائم على العمل.ا
(41:9)قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العلمين
(41:10)وجعل فيها روسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين
هذا التقدير بالتساوي له معنى عميق، فمهما بلغ ما يجمع الإنسان ويحجز عن غيره، لا يزال في السماوات والأرض مزيد ومزيد ومزيد لا نهاية له، في انتظار السائلين، وذكر الله هذا التفضيل هنا من باب تنبيهنا للتفضيل القائم على العمل.غير أن هناك تفضيلا آخر قائم على السؤال اللفظي أو قل القلبي الإيماني بأن الله هو الرازق بما أجرى من سنن في الكون وهو المتصرف فيه ولكن نلاحظ أن الدعاء والسؤال اللفظي أيضا عمل ولكن يختص به اللسان والقلب، وكثيرا ما ورد في القرءان ما معناه أن الله يرزق بغير حساب، وإليك طرفا منه
زين للذين كفروا الحيوة الدنيا ويسخرون من الذين ءامنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة والله يرزق من يشاء بغير حساب(2:212ا
تولج اليل في النهار وتولج النهار في اليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب(3:27)ا
(3:169)ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتا بل أحياء عند ربهم يرزقون
(29:60)وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم
وقول الله كثير في الرزق، فهو الرازق بغير حساب، حتى لمن توقف عمله بالموت، أو كان دابة لا تفقه شيئا، واستوقفني قول الله (دابة لا تحمل رزقها) فهل من يفسر لنا المقصود بـ(تحمل).والله تعالى هو الفعال لما يريد، ولا يسأل عما يفعل، ولو فهمنا وآمنا أو آمنا وفهمنا، فسنة الله رزق كل من يعمل ويأخذ بالأسباب ، وبعد ذلك هو فوق الأسباب، فيبسط الرزق أو يقدره استثناءا وابتلاءا وليس سنة جارية، وذلك من باب عدله ورحمتهولنا عودة إن شاء الله

No comments: